أحمد بن محمد القسطلاني

114

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله تعالى . وقال ابن بطال : كفر نعمة الزوج هو كفر نعمة الله لأنها من الله أجراها على يده . وقال المؤلف رحمه الله ( فيه ) أي يدخل في الباب حديث رواه ( أبو سعيد ) سعد بن مالك رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كما أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه ، ولكريمة وغير الأصيلي وأبي ذر فيه عن أبي سعيد ولأبي الوقت زيادة الخدري ، أي مروي عن أبي سعيد ، ونبّه بذلك على أن للحديث طريقًا غير هذه الطريق التي ساقها هنا ، وزاد الأصيلي بعد قوله وسلم كثيرًا . 29 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أُرِيتُ النَّارَ ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ . قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ . لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ » . [ الحديث 29 - أطرافه في : 431 ، 748 ، 1052 ، 3202 ، 5197 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) القعنبي المدني ( عن مالك ) يعني ابن أنس إمام الأئمة ( عن زيد بن أسلم ) مولى عمر رضي الله عنه المكنى بأبي أسامة المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة ( عن عطاء بن يسار ) بمثناة تحتية ومهملة مخففة القاص المدني الهلالي مولى أُم المؤمنين ميمونة المتوفى سنة ثلاث أو أربع ومائة ، وقيل : أربع وتسعين ( عن ابن عباس ) رضي الله عنهما ( قال ) : ( قال النبي ) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر في نسخة وأبي ذر عن النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أريت النار ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرؤية بمعنى أبصرت ، وتاء المتكلم هو المفعول الأوّل أقيم مقام الفاعل ، والنار هو المفعول الثاني أي أراني الله النار ، ولأبي ذر : ورأيت بالواو ثم راء وهمزة مفتوحتين ، وللأصيلي فرأيت بالفاء ( فإذا أكثر أهلها النساء ) برفع أكثر والنساء مبتدأ وخبر ، وفي رواية : رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بنصب أكثر والنساء مفعولي رأيت ، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر : رأيت النار بالنصب أكثر بالرفع ، وفي رواية أخرى : أريت النار أكثر أهلها النساء بحذف فرأيت ، وحينئذ فقوله : أريت بمعنى أعلمت والتاء والنار والنساء مفاعيله الثلاثة وأكثر بدل من النار ( يكفرن ) بمثناة تحتية مفتوحة أْوّله وهي جملة مستأنفة تدل على السؤال والجواب كأنه جواب سؤال سائل سأل يا رسول الله ؟ ولأربعة بكفرهن أي بسبب كفرهن ( قيل ) يا رسول الله : ( أيكفرن بالله ؟ قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يكفرن العشير ) أي الزوج قال للعهد كما سبق أو المعاشر مطلقًا فتكون للجنس ( ويكفرن الإحسان ) ليس كفران العشير لذاته بل كفران إحسانه ، فهذه الجملة كالبيان للسابقة وتوعده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار . قال النووي : يدل على أنهما من الكبائر ( لو ) وفي رواية الحموي والكشميهني إن ( أحسنت إلى إحداهن الدهر ) أي مدة عمرك أو الدهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغة في كفرهن وهو نصب على الظرفية ، والخطاب في أحسنت غير خاص بل هو عامّ لكل من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا فهو على سبيل المجاز ، لأن الحقيقة أن يكون المخاطب خاصًّا لكنه جاء على نحو : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِم } [ السجدة : 12 ] . فإن قلت : لولا امتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح جعل إن في الرواية الثانية موضعها ، أجيب بأن لو هنا بمعنى إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي ومثله كثير أو هو من قبيل : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، فالحكم ثابت على النقيضين ، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور ، ويسميه البيانيون ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب . ( ثم رأت منك شيئًا ) قليلاً لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها ( قالت ما رأيت منك خيرًا قط ) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر ظرف زمان لاستغراق ما مضى . وفي هذا الحديث وعظ الرئيس الرؤوس وتحريضه على الطاعة ومراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه ، وجواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق وأن المعاصي تنقص الإيمان لأنه جعله كفرًا ولا يخرج إلى الكفر الوجب للخلود في النار ، وأن إيمانهنّ يزيد بشكر نعمة العشير ، فثبت أن الأعمال من الإيمان . ورواة هذا